عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
20
اللباب في علوم الكتاب
فإن قيل ما الفائدة في سؤال الرّسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير البتة ؟ فالجواب : لأنهم إذا اثبتوا أنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتّة التحق التّقصير كله بالأمّة ، فيتضاعف إكرام اللّه تعالى للرّسل لظهور براءتهم عن جميع موجبات التّقصير ، ويتضاعف الخزي والإهانة في حقّ الكفّار ، ولما ثبت أنّ ذلك التّقصير كان منهم . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 7 ] فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ ( 7 ) والمعنى : أنّه بيّن للقوم ما أسرّوه ، وما أعلنوه من أعمالهم ، وبيّن الوجوه التي لأجلها أقدموا على تلك الأعمال . وقوله : « بعلم » في موضع [ الحال ] من الفاعل ، و « الباء » للمصاحبة أي : لنقصن على الرّسل والمرسل إليهم حال كوننا متلبسين بالعلم . ثم أكّد هذا المعنى بقوله : وَما كُنَّا غائِبِينَ أي : ما غاب عن علمه شيء من أعمالهم ، وذلك يدلّ على أنّ الإله لا يكمل إلا إذا كان عالما بجميع الجزئيّات حتى يمكنه أن يميز المطيع عن العاصي والمحسن عن المسئ . فإن قيل : كيف الجمع بين قوله فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ وبين قوله : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ [ الرحمن : 39 ] وقوله : وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ [ القصص : 78 ] فالجواب من وجوه : أحدها : أنّ القوم لا يسألون عن الأعمال ؛ لأنّ الكتب مشتملة عليها ولكنهم يسألون عن الدّواعي التي دعتهم إلى الأعمال ، وعن الصّوارف التي صرفتهم . وثانيها : أنّ السّؤال قد يكون لأجل الاسترشاد والاستفادة وقد يكون لأجل التّوبيخ كقول القائل : « ألم أعطك » وقوله تعالى : أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ [ يس : 60 ] وقول الشاعر : [ الوافر ] 2404 - ألستم خير من ركب المطايا * . . . « 1 » فإذا عرف هذا فنقول : إنّ اللّه عزّ وجلّ لا يسأل أحدا لأجل الاستفادة والاسترشاد ، ويسألهم لأجل توبيخ الكفّار وإهانتهم ، ونظيره قوله تعالى : فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ثم قال : فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [ المؤمنون : 101 ] . فإن الآية الأولى تدلّ على أنّ المسألة الحاصلة بينهم إنّما كانت على سبيل أنّ بعضهم يلوم بعضا لقوله : « وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون » ، وقوله : فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [ المؤمنون : 101 ] ، معناه : أنّه لا يسأل بعضهم بعضا على سبيل الشّفقة واللّطف ؛ لأن النّسب يوجب الميل والرّحمة والإكرام .
--> ( 1 ) تقدم .